أحمد بن محمد ابن عربشاه

457

فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء

نمهل بأداء الكلام ولا للثبات في المقام ، بل نعامل بالتمزيق والتخريق ، وننجر بعد في الطريق ، وتهوى بنا خواطف الطير في مكان سحيق ، فيفوتنا هذا المطلب إذا قيل الطبع أغلب ، وهذا إذا وصلنا إليه وتمثلنا بين يديه ، وأما إذا اعترضنا دونه عارض وجرحنا من جوارح الطير معارض ، ولا حول يحمينا ولا قوة تنجينا ، فينتف ريشنا كل باغ ، ويتجاذب لحمنا كل طاغ ، فيصير مثلنا مثل النمس والزاغ « 1 » . فسأل اليعقوب تلك الرقوب ، كيف هذا المثل أخبريني يا ست الحجل . [ 79 ] [ النمس والزاغ : ] قالت : كان في بعض البساتين العاطرة ، والرياض الناضرة ، مأوى زاغ ظريف حسن الشكل لطيف ، في رأس شجرة عالية أغصانها سامية ، وقطوفها دانية ، فاتفق لنمس من النموس ، في وكره ضرر وبوس ، فانزعج عن وطنه ، واحتاج إلى مفارقة سكنه ، فقاده الزمان إلى هذا المكان ، فراقه منظره وشاقه نوره وزهره ، وأعجبه ظله وثمره ، وأطربه بخريره نهره ، فعزم على السكنى فيه وتوطن إلى أن يتوطن في نواحيه ، إذا رآه أحسن منزل ، وإذا أعشيت فانزل . ووقع اختيار ذلك الطاغ على وكر في أصل شجرة الزاغ ، فسوى له وكرا وحفره ، في أصل تلك الشجرة ، وألقى عصا التّسيار واستقرت به هناك الدار ، فلما رأى الزاغ هذه الحال داخله الهم والأوجال ، وخشي أن يتدرج من أدناها ويتدحرج إلى أعلاها ، وينشد الأصحاب في هذا الباب : ولمّا مضى الشّوق * إلى نحو أبى طوق تدحرجت ولكنّى * من تحت إلى فوق فيصل إلى وطنه القديم ويذيقه العذاب الأليم ، فليس له الخلاص من هذا الاقتناص ، إلا مفارقة الوطن والانزعاج بالتحول عن السكن ، وكيف يفارق ذلك النعيم ويسمح بالبعد عن الوطن القديم ، وهو كما قيل :

--> ( 1 ) النمس : حيوان في حجم القط . والزاغ : الغراب الصغير .